"تحديات الترجمة في عصر الأزمات" ندوة فكرية بلجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة

الأربعاء 13 مايو, 2026

تحت رعاية الدكتورة جيهان زكي؛ وزيرة الثقافة، والدكتور أشرف العزازي؛ الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، نظمت لجنة الترجمة بالمجلس ندوة وحواراً مفتوحاً بعنوان: "تحديات الترجمة في عصر الأزمات"، وذلك بحضور مقررها الدكتور محمد الجبالي مساء يوم الثلاثاء الموافق 12 مايو 2026، وجاءت هذه الفاعلية في إطار جهود المجلس المستمرة لتسليط الضوء على القضايا الثقافية الراهنة وتعزيز دور الترجمة كجسر معرفي في مواجهة المتغيرات العالمية، وشهدت الندوة حضوراً أكاديمياً وثقافياً مميزاً، وأدارها الأستاذ الدكتور مصطفي رياض، بمشاركة كوكبة من القامات العلمية والمتخصصين في مجال الترجمة، وهم: الدكتور جمال الرفاعي، والدكتورة نهاد منصور، والدكتورة هدى أباظة، والدكتور هشام المالكي.

وقد تناولت الندوة نقاشات معمقة حول واقع الترجمة في ظل الأزمات المعاصرة، والتحديات التي تواجه المترجمين في نقل المعرفة بدقة وموضوعية، إلى جانب استشراف الرؤى المستقبلية لتطوير هذا القطاع الحيوي. وجاءت الندوة ضمن سلسلة الأنشطة الثقافية التي يحرص المجلس الأعلى للثقافة على تنظيمها؛ لفتح قنوات الحوار بين المبدعين والخبراء، وإثراء المشهد الثقافي المصري والعربي بأحدث الطروحات الفكرية والعلمية.

وتناول الدكتور جمال الرفاعي التحديات المهنية التي واجهت ترجمة وثائق حربي 1967 و1973، موضحًا أن التعامل مع شهادات القادة العسكريين الإسرائيليين يتطلب يقظة شديدة؛ فبينما تفرض الأمانة العلمية نقل النص كما ورد، تقتضي المسؤولية الوطنية كشف زيف المسميات العسكرية والجغرافية التي يستخدمها قادة الاحتلال عبر الهوامش التفسيرية، بما يضمن عدم تضليل الباحث أو القارئ العربي.

وفي مختتم حديثه، أكد أن “المقاومة اللغوية” تمثل السبيل الأهم لمواجهة التغريب والهيمنة التكنولوجية الغربية، داعيًا المترجمين إلى تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية وعدم الانصياع لإعلام يفتقد للحياد، صونًا للهوية العربية من التشويه.

فيما استعرضت الدكتورة نهاد منصور نظرية السرديات، مؤكدة أن الترجمة ليست مجرد نقل للكلمات، بل أداة فاعلة في إعادة بناء الواقع السياسي والاجتماعي، لما يقوم به المترجم من دور محوري في صياغة الأطر الإعلامية وإعادة تشكيل الأحداث، بما يؤثر بصورة مباشرة على فهم المتلقي.

وشددت على أهمية تحليل الترجمات بوصفها شكلًا من أشكال “إعادة السرد” التي تعيد بناء الشخصيات وتؤطر الأحداث، خاصة في أوقات الصراعات، موضحة أن الترجمة تكمن في “التسمية” والمفاضلة بين مصطلحات مثل: “ثورة” أو “اضطراب”، و“شهيد” أو “إرهابي”، وهو ما يوجه وعي المتلقي نحو تبني وجهة نظر محددة تجاه الجاني والضحية.

كما كشفت، من خلال دراسة مقارنة للسرديات الإعلامية العربية والأجنبية، عن الدور المحوري للمترجم في توجيه الرسالة وصناعة الوعي، مؤكدة أن “إعادة السرد” في السياقات الدولية تمثل معركة حقيقية لصياغة الإدراك العام.

وفي مختتم حديثها، أوضحت أن المترجم يعمل كعدسة لا تنقل الأحداث بحياد كامل، بل تضعها داخل إطار لغوي يوجه إدراك المتلقي وفق أيديولوجية محددة، مستخدمًا آليات الانتقاء عبر إبراز بعض التفاصيل أو تهميشها، بما يفرض واقعًا يخدم السردية المتبناة، خاصة عند المقارنة بين السياقات العربية والأجنبية في تغطية الأزمات.

ثم تحدثت الدكتورة هدى أباظة، متناولة المسار التاريخي لـ“شعر المقاومة”، ومبرزة تحوله من مفهوم “الجندي الشاعر” خلال الحرب العالمية الأولى إلى “الشعراء ذوي الخوذة” عام 1939. كما رصدت المحطات الحاسمة لمقاومة المفكرين في فرنسا عام 1940، والتي توجت بصدور دوريات نضالية مثل “الشعر 40” و“الفكر الحر” عام 1941، بما عكس تفوق الشعر كأداة للمواجهة بين الأجناس الأدبية المختلفة.

وفي مختتم حديثها، شددت على أن الشعر في أوقات الأزمات يمثل “فعلًا إنجازيًا” لا يكتفي بوصف الألم، بل يصنع المقاومة ذاتها، مستشهدة بقصيدة “حرية” للشاعر بول إيلوار، التي تحولت من نص عاطفي إلى أيقونة ثورية جرى توزيعها سرًا، لتجسد قدرة الكلمة على الانتقال من التعبير الفردي إلى تحفيز الجماعة وصناعة فعل التغيير.

ثم تحدث الدكتور هشام المالكي، مشيرًا إلى أن الترجمة ليست مجرد نقل حرفي للنصوص، بل فعل فكري يعيد تشكيل الوعي داخل سياقات جديدة. وأوضح أن تجربته في ترجمة كتاب “فن الحرب” الصيني إلى العربية عام 2005 جاءت انطلاقًا من إيمانه بأهمية نقل العقلية الاستراتيجية التي يحملها هذا العمل التاريخي، وليس الاكتفاء بترجمته لغويًا.

وأضاف أن الكتاب يُعد من أهم المؤلفات الصينية الكلاسيكية، إذ كُتب في القرن الخامس قبل الميلاد، وما يزال حتى اليوم مرجعًا مؤثرًا في مجالات الاستراتيجية وإدارة الصراع واتخاذ القرار، وهو ما دفعه إلى تقديمه للقارئ العربي بوصفه أداة فكرية تساعد على قراءة الواقع واستشراف مآلاته.

وأكد أن الهدف من الترجمة كان نقل خبرة فكرية ممتدة عبر أكثر من 2500 عام، معتبرًا أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان، وأن المعرفة تمثل أساس إدارة الأزمات وصناعة القرار.

وأشار إلى أن أثر الكتاب تجاوز كونه نصًا مترجمًا إلى أداة للتدريب والتفكير أثرت في بعض السياقات المؤسسية والتعليمية، موضحًا أن مبادئه، مثل ضبط النفس الاستراتيجي، والاستعداد الدائم، وتجنب الصراع ما أمكن، تتلاقى مع العديد من ملامح العقيدة الاستراتيجية للجيش المصري القائمة على تحقيق السلام مع الحفاظ على الجاهزية الكاملة.

وفي مختتم حديثه، أكد أن الترجمة الحقيقية لا تنتهي عند نشر الكتاب، بل تبدأ من لحظة تحوله إلى وعي حي داخل الواقع، بما يعكس قيمة الترجمة حين تتحول من مجرد نقل للكلمات إلى صناعة للفكر والأثر الممتد.